أحمد الخراز البغدادي
47
كتاب الصدق أو الطريق السالمة
باب الصدق في معرفة نعم اللّه تعالى ، والشكر « 1 » له قال اللّه عزّ وجلّ : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا 70 [ الإسراء : 70 ] . وقال تعالى : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [ إبراهيم : 34 ] . وقال : اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ [ البقرة : 40 و 47 ] . فإذا أفاق العبد من الغفلة ، فكر ونظر إلى نعم اللّه تعالى ، عليه ، وتكاملها قديما وحديثا . فأما نعمه القديمة : فذكره لك قبل أن تك شيئا ، وما خصك به من توحيده ، والإيمان به ، والمعرفة له ، فأجرى باسمك القلم في اللوح المحفوظ مسلما ؛ ثم أهلك القرون السالفة ، وجعلك في شرذمة « 2 » من المؤمنين ناجية ، حتى أخرجك في خير أمة ، وأكرم دين ، ومن أمة حبيبه : محمد ، صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم هداك للسنة ، واستعملك بالشريعة وباعدك من الزيغ والأهواء ، ثم رباك ، وكلأك ، وغذاك ، حتى وجبت عليك الأحكام . فأغفلت نعمته ، وفرطت في حفظ وصيته ، وركبت هواك من عمرك حينا ، وفي كل ذاك لا يكافئك بإساءتك ، بل يسترك ، ويحلم عنك ، وينظرك . ثم عطف عليك بعد ذلك ، بعدما كنت شرودا فأيقظك من الغفلة ، وعرّفك ما فاتك من حظك من طاعتك ، فوهب لك الإنابة إليه ، وأجلسك على طيّب مرضاته . فوجب عليك الآن شكر بعد شكر ! ! فأي نعماه تحصي . وعلى أيها تشكر ؟ ولا بدّ من معرفة الشكر ، ومباشرته . والشكر على ثلاثة وجوه : شكر القلب ، وشكر اللسان ، وشكر البدن .
--> ( 1 ) انظر حديث القشيري عن الشكر في رسالته ص 173 - 178 . ( 2 ) الشّرذمة : القطعة من الشيء . وشرذمة من الناس : جماعة قليلة ( ج ) شراذم .